simkoo
13-09-2006, 20:21
قُـدار بـن سالـف
باريس في ذكرى 11/9/2006
سلمى السهروردي
في الذكرى السنوية 11/9/2006 أهديها إلى عشرات الألوف من الرجال والنساء والأطفال الذين طحنتهم رحى الإثم والذريعة على ضفتي العالم..
* * *
إنما يدين العاقل، حين يدين، الأفعال لا الأشخاص. فلدى كل شخص من المعاذير ما يدفع به عن نفسه، وإن أثم فعله. و التفكير معاناة لمعرفة الحقائق واستباق النتائج، وهو الذي أطلق عليه الكتاب العزيز: (التدبر)، ثم لا يشترط في المشبه أن ينطبق في كل جزئياته على المشبه به.
سلمـى
عندما كتبت (هملت) منذ أكثر من شهر، كنت قد جسدته لضعفه وخوفه وتردده في شخص واحد. شخص يحكم وطني بضعفه وخوفه وتردده. وتشتبك شخصيته مع شخصية هملت في أمور كثيرة من حيث الصورة والمعنى. لقد كان هملت بالنسبة إليّ فرداً واحداً.
وعندما أكتب اليوم، على سبيل استنساخ الموقف أو السلوك، (قُدار بن سالف) أجد أمامي العشرات من الأشخاص يغدون ويروحون: رؤساء وقادة ومسؤولون وزعماء كل منهم يمثل (قدار بن سالف) أو يمثله قدار. منهم (جساس التغلبي) قاتل كليب، أو (حمل بن بدر الفزاري) أو (قيس بن زهير بن جذيمة العبسي) صاحبا داحس والغبراء.
تجربة (قدار بن سالف) أو جنايته تستحق المزيد من التجرد والمزيد من التأمل، وتحتاج أيضاً قناطير من الحكمة الشرعية والعقلية ليدرك الإنسان أين ينتهي الأبيض ويبدأ الأسود في ذاك الأديم الرمادي المتماوج كليل امرئ القيس طولاً وتذبذباً؛ فلا تكاد تنطق بكلمة (حق) حتى يطل عليك (الباطل).
* * *
وعندما كتبت هملت وصلتني رسائل كثيرة من قراء أعزاء بعضهم طالبني بتقديم تعريف موجز بهملت واعتبروه رمزية (غربية) لا يصح أن أعتمد عليها في خطاب مشرقي!! بعضهم قال إنهم لم يسمعوا به من قبل!! وقال آخرون إنهم سمعوا بهملت ولكن سماعهم لم يكن ليعينهم على تتبع المقاربات بين الشخصيتين في مواقفهما أو في سلوكهما..
الذي أغراني وأطربني أن أحدهم كتب إليّ يقول: لقد اضطررت أن أعيد قراءة هملت لأستمتع بالمقال ولأدرك بعض المقاربات الواردة فيه!!
لا بد أن الذين لا يعرفون الكثير عن رائعة شكسبير سيعز عليهم اقتناص وجوه الشبه الحقيقي بين الأمير الدنماركي الغابر وبين الفتي الذي يتسلم اليوم مقاليد الأمور في قصر الشعب في دمشق. ولن يملأ الخوفُ قلوبهم من كأس السم الأخيرة التي دارت على الجميع. ولعل هذه الخاتمة الفاجعة التي شملت كل الشركاء المتشاكسين من حبيبة وأم وعم وخصم هي معقل الخوف الذي أخاف على وطني. والتي كانت مناط كل المقاربات التي دندنت حولها: حين يكون الربان ضعيفاً خائفاً متردداً مثل هملت أو مثل بشار سنهلك جميعاً!!ً
ولكن هملت بحق هو شخصية عالمية، وأقصد بالتحديد شخصيته الفنية التي أبدعها شكسبير، لا شخصيته التاريخية المتمثلة في فتى دنماركي طوى التاريخ من هو أكثر منه شهرة وأثراً في الحياة الإنسانية. وعندما أقول إن (هملت) شكسبير شخصية عالمية فلا أظنني مطالبة أن أقدم تعريفاً به للقارئ المعاصر. وأعتقد أنه ينبغي أن نتوقف عن تملق ذواتنا، والاعتزاز بكسلنا!! لقد تجاوز كسل القارئ كسل ربة البيت العصرية في حرصها على تغذية أبنائها بالحليب المعلب والوجبات السريعة!! يجب أن ندد بكسل القارئ الذي لا يقرأ، والقارئ الذي غان الكسل على قلبه وران!!
وعلى ذكر (الغين) و(الران) لا أجدني أيضاً مضطرة للاستجابة إلى مطالبات كثيرة تصلني بأن أرفق مع كتاباتي شرحاً لبعض الكلمات. بل من واجب القارئ أن يضع بين يديه (المنجد) أو (المختار) أو حتى (المحيط) إذا شاء؛ ليسد ثغرة في دائرة معرفته اللغوية الأولية. وأشدد على (الأولية) لأنني مع فتنتي اللامحدودة بلغة العرب، وبجمال عرائسها، وهيامي بما ينسدل على ردفيها من جدائل، أو يلتف حول صدغيها من واوات عذبة.. لا أستخدم غريباً ولا حوشياً من الكلام؛ فأنا على مذهب الأول في رفض الحيزبون والدردبيس والطخا والنقاخ والعطلبيس.. ولست بالتي تقول للحِبّ يا عِلقُ حتى يظن نفسه أنه الحبيب النفيس.
معجمي، وهذا ما أحرص عليه وأطالب بالارتقاء إليه، إما لفظة قدسها الكتاب العزيز، أو شرفها الحديث الشريف، أو دمّثها كلام الأدباء وطوعها لأقلام الكاتبين.
يتبع ....
باريس في ذكرى 11/9/2006
سلمى السهروردي
في الذكرى السنوية 11/9/2006 أهديها إلى عشرات الألوف من الرجال والنساء والأطفال الذين طحنتهم رحى الإثم والذريعة على ضفتي العالم..
* * *
إنما يدين العاقل، حين يدين، الأفعال لا الأشخاص. فلدى كل شخص من المعاذير ما يدفع به عن نفسه، وإن أثم فعله. و التفكير معاناة لمعرفة الحقائق واستباق النتائج، وهو الذي أطلق عليه الكتاب العزيز: (التدبر)، ثم لا يشترط في المشبه أن ينطبق في كل جزئياته على المشبه به.
سلمـى
عندما كتبت (هملت) منذ أكثر من شهر، كنت قد جسدته لضعفه وخوفه وتردده في شخص واحد. شخص يحكم وطني بضعفه وخوفه وتردده. وتشتبك شخصيته مع شخصية هملت في أمور كثيرة من حيث الصورة والمعنى. لقد كان هملت بالنسبة إليّ فرداً واحداً.
وعندما أكتب اليوم، على سبيل استنساخ الموقف أو السلوك، (قُدار بن سالف) أجد أمامي العشرات من الأشخاص يغدون ويروحون: رؤساء وقادة ومسؤولون وزعماء كل منهم يمثل (قدار بن سالف) أو يمثله قدار. منهم (جساس التغلبي) قاتل كليب، أو (حمل بن بدر الفزاري) أو (قيس بن زهير بن جذيمة العبسي) صاحبا داحس والغبراء.
تجربة (قدار بن سالف) أو جنايته تستحق المزيد من التجرد والمزيد من التأمل، وتحتاج أيضاً قناطير من الحكمة الشرعية والعقلية ليدرك الإنسان أين ينتهي الأبيض ويبدأ الأسود في ذاك الأديم الرمادي المتماوج كليل امرئ القيس طولاً وتذبذباً؛ فلا تكاد تنطق بكلمة (حق) حتى يطل عليك (الباطل).
* * *
وعندما كتبت هملت وصلتني رسائل كثيرة من قراء أعزاء بعضهم طالبني بتقديم تعريف موجز بهملت واعتبروه رمزية (غربية) لا يصح أن أعتمد عليها في خطاب مشرقي!! بعضهم قال إنهم لم يسمعوا به من قبل!! وقال آخرون إنهم سمعوا بهملت ولكن سماعهم لم يكن ليعينهم على تتبع المقاربات بين الشخصيتين في مواقفهما أو في سلوكهما..
الذي أغراني وأطربني أن أحدهم كتب إليّ يقول: لقد اضطررت أن أعيد قراءة هملت لأستمتع بالمقال ولأدرك بعض المقاربات الواردة فيه!!
لا بد أن الذين لا يعرفون الكثير عن رائعة شكسبير سيعز عليهم اقتناص وجوه الشبه الحقيقي بين الأمير الدنماركي الغابر وبين الفتي الذي يتسلم اليوم مقاليد الأمور في قصر الشعب في دمشق. ولن يملأ الخوفُ قلوبهم من كأس السم الأخيرة التي دارت على الجميع. ولعل هذه الخاتمة الفاجعة التي شملت كل الشركاء المتشاكسين من حبيبة وأم وعم وخصم هي معقل الخوف الذي أخاف على وطني. والتي كانت مناط كل المقاربات التي دندنت حولها: حين يكون الربان ضعيفاً خائفاً متردداً مثل هملت أو مثل بشار سنهلك جميعاً!!ً
ولكن هملت بحق هو شخصية عالمية، وأقصد بالتحديد شخصيته الفنية التي أبدعها شكسبير، لا شخصيته التاريخية المتمثلة في فتى دنماركي طوى التاريخ من هو أكثر منه شهرة وأثراً في الحياة الإنسانية. وعندما أقول إن (هملت) شكسبير شخصية عالمية فلا أظنني مطالبة أن أقدم تعريفاً به للقارئ المعاصر. وأعتقد أنه ينبغي أن نتوقف عن تملق ذواتنا، والاعتزاز بكسلنا!! لقد تجاوز كسل القارئ كسل ربة البيت العصرية في حرصها على تغذية أبنائها بالحليب المعلب والوجبات السريعة!! يجب أن ندد بكسل القارئ الذي لا يقرأ، والقارئ الذي غان الكسل على قلبه وران!!
وعلى ذكر (الغين) و(الران) لا أجدني أيضاً مضطرة للاستجابة إلى مطالبات كثيرة تصلني بأن أرفق مع كتاباتي شرحاً لبعض الكلمات. بل من واجب القارئ أن يضع بين يديه (المنجد) أو (المختار) أو حتى (المحيط) إذا شاء؛ ليسد ثغرة في دائرة معرفته اللغوية الأولية. وأشدد على (الأولية) لأنني مع فتنتي اللامحدودة بلغة العرب، وبجمال عرائسها، وهيامي بما ينسدل على ردفيها من جدائل، أو يلتف حول صدغيها من واوات عذبة.. لا أستخدم غريباً ولا حوشياً من الكلام؛ فأنا على مذهب الأول في رفض الحيزبون والدردبيس والطخا والنقاخ والعطلبيس.. ولست بالتي تقول للحِبّ يا عِلقُ حتى يظن نفسه أنه الحبيب النفيس.
معجمي، وهذا ما أحرص عليه وأطالب بالارتقاء إليه، إما لفظة قدسها الكتاب العزيز، أو شرفها الحديث الشريف، أو دمّثها كلام الأدباء وطوعها لأقلام الكاتبين.
يتبع ....