ابو رائد
04-11-2006, 22:05
مُسلَّمات الخطاب العلماني
كل توجه سياسي يسعى لامتلاك مشروع مجتمعي يستمد منطلقه من رؤية فكرية يحاول أن يجد لها القبول بالتماس جملة من المسلمات التي تحظى بقدر من الإجماع. والتوجه العلماني الغربي ما زال يسعى لامتلاك رؤية فكرية لتمرير خياراته وبرامجه. وإذا كان التتبع والرصد لمقولات الخطاب العلماني الغربية لا يسعف في تلمس معالم النسق الفكري المنسجم، فإن النظر لبعض تلاوين الخطاب بعد جهد المقاربة والتسديد والتفريع والتأصيل تنبئ عن وجود محاولة حثيثة لاستجماع بعض المسلمات لبناء الرؤية الفكرية العلمانية الغربية.
وبالنظر إلى جملة الكتابات ذات النَفَس العلماني يمكن الوقوف على بعض المسلمات:
\ المسلمة الفكرية:
مسلمة الرشد الإنساني: وهي في الأصل مقولة للفيلسوف محمد إقبال بسط عناصرها في كتابه (تجديد الفكر الديني)، غير أن سياقها واتجاهها يختلف تماماً عن التوجيه العلماني.
فبينما يتأمل (إقبال) في مفهوم ختم الرسالة ووظيفة القرآن، يقفز التوجه العلماني على هذين المفهومين ليخلص بتبسيط مخل إلى أن البشرية عبر مسارها الطويل قد وصلت إلى مرتبة الرشد الإنساني، ذلك الرشد الذي يؤهلها للنظر الذاتي في تدبير شؤونها، وبناء نظم حياتها التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية من غير حاجة إلى نصوص الشرع.
والحاصل من خلال هذه النظرة: أن بإمكان البشرية الاستغناء مطلقاً عن الأحكام الشرعية الواردة في نصوص الشرع من القرآن والسنة، والانصراف عن مفهوم الصحابة والسلف الصالح مادام العقل البشري قد اكتملت آلته واستجمع عناصر رشده، خاصة بعد الثورة التقنية والثورة المعلوماتية.
والناظر إلى حاصل هذا التصور يدرك أن فيلسوف الإسلام لم ينظر إلى مفهوم ختم الرسالة ووظيفة القرآن بهذا النظرة الاختزالية التبسيطية.
فإذا كان جوهر الرسالة مرتبطاً ـ نسقياً ـ بوجود القرآن، وإذا كانت الرسالة قد ختمت بوفاة النبي # فإنَّ التوجه الذي بسطه محمد إقبال هو: أن البشرية قد وصلت إلى النضج العقلي الذي يجعلها تتعامل مع نصوص الشرع انطلاقاً من البيان الوارد في الكتاب والسُنَّة معاً، واعتماداً على آليات النظر المعتبرة والتي استمدّت أدلتها وحجيتها من القرآن والسنة.
فإذا كانت البشرية سابقاً وفي كل طور من أطوارها تحتاج إلى رسول مبلغ، فقد اكتمل النضج الإنساني لتتلقى الرسالة والبيان من غير حاجة إلى وجود الرسول الذي يمشي بين الناس.
إنّ البشرية رشدت ببداية تعلقها بالأفكار والمفاهيم من غير حاجة إلى تجسدها في عالم الأشخاص.
إن هذا هو المعنى الذي فصّله محمد إقبال في كتابه (تجديد الفكر الديني)، والذي يبدو أن الطرح العلماني حاول أن يختزله، وأن يفرغه من مضمونه؛ ليكتسب أولاً: تمرير المضمون (الاستقلال عن الوحي) ثم ثانياً: عمق التأصيل، وذلك من خلال الانطلاق من مقولة محمد إقبال من غير التزام بمفهومها ولا اتجاهها.
\ المسلمة التاريخية:
وهي التي سال فيها مداد كثير، وهي في جوهرها تنصرف إلى بحث العلاقة بين الديني والسياسي داخل التجربة التاريخية الحضارية؛ سواء تعلق الأمر بتاريخ الغرب الذي تسعف فيه الأمثلة والشواهد، أو تعلق الأمر بتاريخ الإسلام الذي كثيراً ما تخون فيه الوقائع والحوادث منطلق هذا التفكير.
ويقصد الطرح العلماني بهذه المسلمة التاريخية إلى تبيين تأثير السياسة في الدين، واستغلال السلطة للدين للإجهاز على المجتمع. وتجتهد المقاربة العلمانية في التفصيل في بعض المراحل التاريخية من تاريخ الإسلام؛ لتأكيد هذا المضمون، ويظهر ذلك من خلال تغطية مرحلة الخلافة والخلاف عليها بكتابات كثيرة أغلبها مكرور، أو بالتركيز على سلوكيّات الحكام من بني أميَّة أو بني العباس لإبراز التوظيف السياسي للإسلام.
وهكذا تجد الكتابات العلمانية ضالتها على مستوى الحدث التاريخي من خلال الصراع السياسي على الحكم، أو الممارسة السياسية للحكم التي كانت تتخذ مفاهيم الإسلام أيديولوجية لتصفية خصوم الحكم، أو على الأقل لإعطاء الشرعية لنظام الحكم وسياسته.
فلا غرابة أن نجد معظم الكتابات العلمانية تتحاشى الحديث عن مرحلة النبوة؛ بل تتعمد إضفاء الطابع التربوي والأخلاقي على الرسالة المحمدية بقصد استبعاد كل مفاهيم السياسة والحكم عن هذه التجربة التاريخية.
وحتى إنِ اضطرّت لذلك فإنها تجتهد في تأكيد الطابع التاريخي لهذه المفاهيم، بما يعنيه ذلك من المشروطية بحيثيات الزمان والمكان، واعتبارات تطور الوعي البشري بالقياس إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وهي إذ تفعل ذلك تقرر ضمن مسلماتها أن لا نموذج لنظام حكمٍ يستمد قواعده وآليات اشتغاله من الدين الإسلامي.
\
(يتبع)
كل توجه سياسي يسعى لامتلاك مشروع مجتمعي يستمد منطلقه من رؤية فكرية يحاول أن يجد لها القبول بالتماس جملة من المسلمات التي تحظى بقدر من الإجماع. والتوجه العلماني الغربي ما زال يسعى لامتلاك رؤية فكرية لتمرير خياراته وبرامجه. وإذا كان التتبع والرصد لمقولات الخطاب العلماني الغربية لا يسعف في تلمس معالم النسق الفكري المنسجم، فإن النظر لبعض تلاوين الخطاب بعد جهد المقاربة والتسديد والتفريع والتأصيل تنبئ عن وجود محاولة حثيثة لاستجماع بعض المسلمات لبناء الرؤية الفكرية العلمانية الغربية.
وبالنظر إلى جملة الكتابات ذات النَفَس العلماني يمكن الوقوف على بعض المسلمات:
\ المسلمة الفكرية:
مسلمة الرشد الإنساني: وهي في الأصل مقولة للفيلسوف محمد إقبال بسط عناصرها في كتابه (تجديد الفكر الديني)، غير أن سياقها واتجاهها يختلف تماماً عن التوجيه العلماني.
فبينما يتأمل (إقبال) في مفهوم ختم الرسالة ووظيفة القرآن، يقفز التوجه العلماني على هذين المفهومين ليخلص بتبسيط مخل إلى أن البشرية عبر مسارها الطويل قد وصلت إلى مرتبة الرشد الإنساني، ذلك الرشد الذي يؤهلها للنظر الذاتي في تدبير شؤونها، وبناء نظم حياتها التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية من غير حاجة إلى نصوص الشرع.
والحاصل من خلال هذه النظرة: أن بإمكان البشرية الاستغناء مطلقاً عن الأحكام الشرعية الواردة في نصوص الشرع من القرآن والسنة، والانصراف عن مفهوم الصحابة والسلف الصالح مادام العقل البشري قد اكتملت آلته واستجمع عناصر رشده، خاصة بعد الثورة التقنية والثورة المعلوماتية.
والناظر إلى حاصل هذا التصور يدرك أن فيلسوف الإسلام لم ينظر إلى مفهوم ختم الرسالة ووظيفة القرآن بهذا النظرة الاختزالية التبسيطية.
فإذا كان جوهر الرسالة مرتبطاً ـ نسقياً ـ بوجود القرآن، وإذا كانت الرسالة قد ختمت بوفاة النبي # فإنَّ التوجه الذي بسطه محمد إقبال هو: أن البشرية قد وصلت إلى النضج العقلي الذي يجعلها تتعامل مع نصوص الشرع انطلاقاً من البيان الوارد في الكتاب والسُنَّة معاً، واعتماداً على آليات النظر المعتبرة والتي استمدّت أدلتها وحجيتها من القرآن والسنة.
فإذا كانت البشرية سابقاً وفي كل طور من أطوارها تحتاج إلى رسول مبلغ، فقد اكتمل النضج الإنساني لتتلقى الرسالة والبيان من غير حاجة إلى وجود الرسول الذي يمشي بين الناس.
إنّ البشرية رشدت ببداية تعلقها بالأفكار والمفاهيم من غير حاجة إلى تجسدها في عالم الأشخاص.
إن هذا هو المعنى الذي فصّله محمد إقبال في كتابه (تجديد الفكر الديني)، والذي يبدو أن الطرح العلماني حاول أن يختزله، وأن يفرغه من مضمونه؛ ليكتسب أولاً: تمرير المضمون (الاستقلال عن الوحي) ثم ثانياً: عمق التأصيل، وذلك من خلال الانطلاق من مقولة محمد إقبال من غير التزام بمفهومها ولا اتجاهها.
\ المسلمة التاريخية:
وهي التي سال فيها مداد كثير، وهي في جوهرها تنصرف إلى بحث العلاقة بين الديني والسياسي داخل التجربة التاريخية الحضارية؛ سواء تعلق الأمر بتاريخ الغرب الذي تسعف فيه الأمثلة والشواهد، أو تعلق الأمر بتاريخ الإسلام الذي كثيراً ما تخون فيه الوقائع والحوادث منطلق هذا التفكير.
ويقصد الطرح العلماني بهذه المسلمة التاريخية إلى تبيين تأثير السياسة في الدين، واستغلال السلطة للدين للإجهاز على المجتمع. وتجتهد المقاربة العلمانية في التفصيل في بعض المراحل التاريخية من تاريخ الإسلام؛ لتأكيد هذا المضمون، ويظهر ذلك من خلال تغطية مرحلة الخلافة والخلاف عليها بكتابات كثيرة أغلبها مكرور، أو بالتركيز على سلوكيّات الحكام من بني أميَّة أو بني العباس لإبراز التوظيف السياسي للإسلام.
وهكذا تجد الكتابات العلمانية ضالتها على مستوى الحدث التاريخي من خلال الصراع السياسي على الحكم، أو الممارسة السياسية للحكم التي كانت تتخذ مفاهيم الإسلام أيديولوجية لتصفية خصوم الحكم، أو على الأقل لإعطاء الشرعية لنظام الحكم وسياسته.
فلا غرابة أن نجد معظم الكتابات العلمانية تتحاشى الحديث عن مرحلة النبوة؛ بل تتعمد إضفاء الطابع التربوي والأخلاقي على الرسالة المحمدية بقصد استبعاد كل مفاهيم السياسة والحكم عن هذه التجربة التاريخية.
وحتى إنِ اضطرّت لذلك فإنها تجتهد في تأكيد الطابع التاريخي لهذه المفاهيم، بما يعنيه ذلك من المشروطية بحيثيات الزمان والمكان، واعتبارات تطور الوعي البشري بالقياس إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وهي إذ تفعل ذلك تقرر ضمن مسلماتها أن لا نموذج لنظام حكمٍ يستمد قواعده وآليات اشتغاله من الدين الإسلامي.
\
(يتبع)