Mansour Alhaj
30-03-2005, 15:11
ثم استشهد الياباني بالآية (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) ريثما تنجلي الأزمة، لأن ثقة القرآن بالضمير لا حد لها. فهو لا يجبر، فهو يحترم العقل والإيمان والقناعة ويحميها في ثلاث صور:لا يجبر على الإعتناق بالقوة، لا يجبر على الترك بالقوة، كما لا يجبر على الاحتفاظ بالقوة، فهو يريد تحييد الجسد بالكامل في لعبة القناعة، فهو يراهن على أن العاقبة هي العقل والقناعة وليس أساليب القهر والإكراه التي تحمل فشلها سلفاً وضمناً باتباعها هذا الأسلوب، لأن طريقة الإقناع غير مرتبطة بالقوة بل بالفهم والاقتناع فهناك فراق كامل بين القوة والفكر، وبهذه الطريقة تم إلغاء كل هذه النصوص التي اعتمدتها يا سيدي، وأريد أن أريحك أكثر ومن خلال النصوص التي استخدمتها أن مشكلة النصوص تكمن أيضاً في التفسير والاستخدام الصحيح لها فالنص الذي استخدمته (من بدل دينه فاقتلوه) هل تريد منا أن نفهم عليك أن المسيحي يقتل أيضاً فيما لو بدّل دينه فأراد اعتناق الاسلام مثلاً؟ فنغلق الطريق إلى الإسلام الذي نصبنا أنفسنا للدعوة له. أي أصبحنا أعداء له من حيث لا نشعر شيء رهيب أليس كذلك؟أي أن مبدأ (الطريق الواحد) ساري المفعول لكل الأديان، فنخرج بلاغاً أن وضع الدين يأخذ صفة الجينات الوراثية التي لا يجب التلاعب فيها بحال من الأحوال، كما يقوم بذلك حالياً حماة البيئة والطبيعة والحيوانات.لا ياسيدي حتى الجينات نحاول أحياناً التداخل لتغييرها في حالات الأمراض الوراثية، أما حسب مفهومكم فكل ذو دين يجب أن يحافظ على ديانته، وكل صاحب مذهب يجب أن لا يبدل فهي أمور خُتم عليها بالشمع الأحمر إلى يوم القيامة بغير رجعة، وممنوع التفكير فيها تحت طائلة قطع الرقبة بجريمة الردة، أليس في هذا مصادرة كاملة لكل الخيار الإنساني وإنشاء مجتمع أحادي التفكير، منافق الصفات ، ديكتاتوري الصيغة تحت العباءة الإسلامية خائف على نفسه من أي حركة عقلية خوف الإنزلاق باتجاه (إنكار معلوم من الدين بالضرورة) لا ضمانة فيه لأي إنسان أن يغير رأيه مع أن الإنسان في حالة صيرورة لا تتوقف، فهي حركة تجمد وتوقف في الزمن. ثم إن حديث أهل عرينة الذي استندت إليه راجعناه وعرفنا أن المسألة مختلفة كلية عن الطريقة التي عرض فيها الحديث بصورة حملت الاسقاطات والإكراهات الفكرية التي تحملونها، فهؤلاء قُتلوا لأنهم قَتَلوا وليس لأنهم غيروا رأيهم، يا قوم ألا ترون أنكم تسيئون إلى دينكم ونبيكم إلى درجة أنكم أصبحتم ليس نوراً لنشر الفكر، بل فرامل لإعاقة الحركة العقلية، وأن دينكم خائف وجل من نفسه فيريد المحافظة على أتباعه بأي ثمن ولو تحت التهديد بالقتل مثل جماعات المافيات! إن أهل عرينة استاقوا الابل وقتلوا الناس وهربوا وبعد كل هذا كانت ردتهم، وإنكار الإسلام منهم تحصيل حاصل، فكان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم منطقي في معاقبة مجموعات من القتلة الخطرين في ظل مرحلة تاريخية وهو الذي يفعله قانوننا أحياناً تجاه المجرمين، ولكن عرضكم شوّه الصورة وقلب الموضوع بحيث لم تعودوا تخدموا مبادئكم بشكل منطقي وعقلاني وإنساني متفتح فأصبحتم من حيث لا تشعرون أعداء مبادئكم. وأما حديث قتل (التارك لدينه المفارق للجماعة) فهو واضح أنه انقلب على الجماعة وتآمر عليها وساعد أعداءها وهو ما فعله المرتدون أيضاً باعلان العصيان المسلح وهو يقودنا إلى ظاهرة المرتدين ومعالجتها في صدر الإسلام وهي مرة أخرى تشعرنا أنكم تقرءون تراثكم بعيون الموتى؟دعني يا سيدي أضرب لك مثلاً معاصراً في هذا الموضوع لأقرب لك حيثيات البحث: لنفترض أن الدولة طالبت أهل مدينة ما بدفع الضرائب فامتنع أهلها عن ذلك بل قتلوا الشرطة التي جاءت لتحصيلها وأعلنوا ثورة مسلحة ضد الدولة يعلنون فيها عدم استعدادهم لدفع الضرائب ماذا تفعل الدولة في موقف كهذا حيالهم؟ تأمل تعليل أبي بكر الصديق رضي الله عنه لمقاتلة المرتدين حينما أصر على (عقال بعير) أي تحصيل الضرائب منهم فهو لم يقاتلهم بسبب تغيير آرائهم أو تركهم للإسلام بل بسبب مهاجمة المدينة وقطع الطريق ونهب القوافل واستباحة الحرمات وقتل العباد والإفساد في الأرض، وأريد أن أضيف إلى هذا أن علياً رضي الله عنه حينما قاتل الخوارج لم يقاتلهم لأنهم غيروا رأيهم وبدّلوا دينهم بل وضّح رايه فيهم فيهم عندما سئل عنهم: أكفارٌ هم؟ أجاب من الكفر فروا. قالوا سائلين يا أمير المؤمنين: أو مناففون هم؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً واولئك يذكرون الله كثيراً. كرروا سائلين فما تقول فيهم إذن؟أجاب في قولته الشهيرة التي تعتبر من درر الحكم وقواعد في التعامل الإنساني. "ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه.قانون مزلزل في العلاقات.ففي هذه الجملة حدد مجموعتي الإنحراف في المجتمع الإسلامي.الأولى: هي البيت الأموي الذين تمنوا الباطل ووصلوا إليه، أما مجموعة الإنحراف الثانية فعنى بها الخوارج.كان الأمويون انتهازيون أذكياء وكان الخوارج مخلصين بسطاء ينقصهم الوعي، أما الكارثة الأموية فحدثت بفعل هشاشة المجتمع الإسلامي حنكتهم القيادية السابقة في التآمر ضد الإسلام بدءً من تخطيط معركة أحد والخندق وإنتهاء بالتآمر الدولي إلى بلاط النجاشي وضعف الجهاز المناعي في المجتمع الإسلامي الوليد الذي كان في بداية تشكله التاريخي فأصيب بهذا المرض العصبي الأموي الرهيب الذي قاد لالتهاب الدماغ والسحايا للرأس الإسلامي أسلمه بعدها إلى عطالة عقلية وشلل حركي كما يحدث في كل الأمراض التي تقود إلى تدمير الجهاز العصبي المركزي وحرق كمبيوتر الدماغ يضاف إلى هذا غلطة عمر في توليته رضي الله عنه معاوية فترة طويلة في حكم الشام التي دامت حوالي عشرين سنة فاستطاع تكوين جيش بيزنطي جديد يلبس عباءات إسلامية جاهزة لضرب الكعبة وذبح آل البيت واسباحة المدينة وصعود شخصيات حزآرين من طراز الحجاج الذي صفى معظم القيادات الفكرية في المجتمع الإسلامي.